فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ﰠ
﴿٣٣﴾سورة عبس تفسير القرطبي
لَمَّا ذَكَرَ أَمْر الْمَعَاش ذَكَرَ أَمْر الْمَعَاد , لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة , وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا اُمْتُنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ . وَالصَّاخَّة : الصَّيْحَة الَّتِي تَكُون عَنْهَا الْقِيَامَة , وَهِيَ النَّفْخَة الثَّانِيَة , تَصُخُّ الْأَسْمَاع : أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَع إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ . وَذَكَرَ نَاس مِنْ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : تُصِيخ لَهَا الْأَسْمَاع , مِنْ قَوْلك : أَصَاخَ إِلَى كَذَا : أَيْ اِسْتَمَعَ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : [ مَا مِنْ دَابَّة إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَة يَوْم الْجُمْعَة شَفَقًا مِنْ السَّاعَة إِلَّا الْجِنّ وَالْإِنْس ] . وَقَالَ الشَّاعِر : يُصِيخ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعه إِصَاخَة الْمُنْشِد لِلْمُنْشِدِ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَهَذَا يُؤْخَذ عَلَى جِهَة التَّسْلِيم لِلْقُدَمَاءِ , فَأَمَّا اللُّغَة فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْل الْأَوَّل , قَالَ الْخَلِيل : الصَّاخَّة : صَيْحَة تَصُخّ الْآذَان صَخًّا أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا . وَأَصْل الْكَلِمَة فِي اللُّغَة : الصَّكّ الشَّدِيد . وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَة مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ : إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِز : يَا جَارَتِي هَلْ لَك أَنْ تُجَالِدِي جَلَادَة كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ وَمِنْ هَذَا الْبَاب قَوْل الْعَرَب : صَخَّتْهُمْ الصَّاخَّة وَبَاتَّتْهُمْ الْبَائِتَة , وَهِيَ الدَّاهِيَة . الطَّبَرِيّ : وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَان فُلَانًا : إِذَا أَصْمَاهُ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الصَّاخَّة الَّتِي تُورِثُ الصَّمَم , وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَة , وَهَذَا مِنْ بَدِيع الْفَصَاحَة , حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْض حَدِيثِي الْأَسْنَان حَدِيثِي الْأَزْمَان : ش أَصَمَّ بِك النَّاعِي وَإِنْ كَانَ أَسْمَعَا ش وَقَالَ آخَر : أَضَمَّنِي سِرُّهُمْ أَيَّام فُرْقَتِهِمْ فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِث الصَّمَمَا لَعَمْر اللَّه إِنَّ صَيْحَة الْقِيَامَة لَمُسْمِعَة تُصِمّ عَنْ الدُّنْيَا , وَتُسْمِع أُمُور الْآخِرَة .