كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﰑ
﴿١٨﴾سورة المطففين تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَلَّا إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { كَلَّا إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } وَالْأَبْرَار : جَمْع بَرّ , وَهُمْ الَّذِينَ بَرُّوا اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَحَارِمه . وَقَدْ كَانَ الْحَسَن يَقُول : هُمْ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ شَيْئًا حَتَّى الذَّرّ . 28392 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا هِشَام , عَنْ شَيْخ , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : سُئِلَ عَنْ الْأَبْرَار , قَالَ : الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ الذَّرّ . * - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن زَيْد الْخَطَّابِيّ , قَالَ : ثَنَا الْفِرْيَابِيّ , عَنْ السَّرِيّ بْن يَحْيَى , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : الْأَبْرَار : هُمْ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ الذَّرّ .
وَقَوْله : { لَفِي عِلِّيِّينَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى عِلِّيِّينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ السَّمَاء السَّابِعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28393 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي جَرِير بْن حَازِم , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ شِمْر بْن عَطِيَّة , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف , قَالَ : سَأَلَ اِبْن عَبَّاس كَعْبًا وَأَنَا حَاضِر عَنْ الْعِلِّيِّينَ , فَقَالَ كَعْب : هِيَ السَّمَاء السَّابِعَة , وَفِيهَا أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ . 28394 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , يَعْنِي الْعَتَكِيّ , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } قَالَ : فِي السَّمَاء الْعُلْيَا . 28395 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله : { إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } قَالَ : فِي السَّمَاء السَّابِعَة . 28396 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عِلِّيِّينَ } قَالَ : السَّمَاء السَّابِعَة . 28397 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَفِي عِلِّيِّينَ } فِي السَّمَاء عِنْد اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْعِلِّيُّونَ : قَائِمَة الْعَرْش الْيُمْنَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28398 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { كَلَّا إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول : هِيَ قَائِمَة الْعَرْش الْيُمْنَى . * - حَدَّثَنِي عُمَر بْن إِسْمَاعِيل بْن مُجَالِد , قَالَ : ثَنَا مُطَرِّف بْن مَازِن , قَاضِي الْيَمَن , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } قَالَ : عِلِّيُّونَ : قَائِمَة الْعَرْش الْيُمْنَى . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فِي عِلِّيِّينَ } فَوْق السَّمَاء السَّابِعَة , عِنْد قَائِمَة الْعَرْش الْيُمْنَى . 28399 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : لَنَا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ حَفْص , عَنْ شِمْر , عَنْ عَطِيَّة , قَالَ : جَاءَ اِبْن عَبَّاس إِلَى كَعْب الْأَحْبَار , فَسَأَلَهُ , فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَنْ قَوْل اللَّه { إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } . .. الْآيَة , فَقَالَ كَعْب : إِنَّ الرُّوح الْمُؤْمِنَة إِذَا قُبِضَتْ , صُعِدَ بِهَا , فَفُتِحَتْ لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء , وَتَلَقَّتْهَا الْمَلَائِكَة بِالْبُشْرَى , ثُمَّ عَرَجُوا مَعَهَا حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى الْعَرْش , فَيُخْرَج لَهَا مِنْ عِنْد الْعَرْش رَقّ , فَيُرْقَم , ثُمَّ يُخْتَم بِمَعْرِفَتِهَا النَّجَاة بِحِسَابِ يَوْم الْقِيَامَة , وَتَشْهَد الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِالْعِلِّيِّينَ : الْجَنَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28400 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } قَالَ : الْجَنَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28401 - حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْبُزُورِيّ مِنْ أَهْل الْكُوفَة , قَالَ : ثَنَا يَعْلَى بْن عُبَيْد , عَنْ الْأَجْلَح , عَنْ الضَّحَّاك قَالَ : إِذَا قُبِضَ رُوح الْعَبْد الْمُؤْمِن عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاء , فَتَنْطَلِق مَعَهُ الْمُقَرَّبُونَ إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة , قَالَ الْأَجْلَح : قُلْت : وَمَا الْمُقَرَّبُونَ ؟ قَالَ : أَقْرَبهمْ إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة , فَتَنْطَلِق مَعَهُ الْمُقَرَّبُونَ إِلَى السَّمَاء الثَّالِثَة , ثُمَّ الرَّابِعَة , ثُمَّ الْخَامِسَة , ثُمَّ السَّادِسَة , ثُمَّ السَّابِعَة , حَتَّى تَنْتَهِي بِهِ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى . قَالَ الْأَجْلَح : قُلْت لِلضَّحَّاكِ : لِمَ تُسَمَّى سِدْرَة الْمُنْتَهَى ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ يُنْتَهَى إِلَيْهَا كُلّ شَيْء مِنْ أَمْر اللَّه لَا يَعْدُوهَا , فَتَقُول : رَبّ عَبْدك فُلَان , وَهُوَ أَعْلَم بِهِ مِنْهُمْ , فَيَبْعَث اللَّه إِلَيْهِمْ بِصَكٍّ مَخْتُوم يُؤَمِّنهُ مِنْ الْعَذَاب , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { كَلَّا إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عَلِيِّينَ وَمَا أَدْرَاك مَا عِلِّيُّونَ كِتَاب مَرْقُوم يَشْهَدهُ الْمُقَرَّبُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِالْعِلِّيِّينَ : فِي السَّمَاء عِنْد اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28402 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ كِتَاب الْأَبْرَار لَفِي عِلِّيِّينَ } يَقُول : أَعْمَالهمْ فِي كِتَاب عِنْد اللَّه فِي السَّمَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّ كِتَاب الْأَبْرَار فِي عِلِّيِّينَ ; وَالْعِلِّيُّونَ : جَمْع , مَعْنَاهُ : شَيْء فَوْق شَيْء , وَعُلُوّ فَوْق عُلُوّ , وَارْتِفَاع بَعْد اِرْتِفَاع , فَلِذَلِكَ جُمِعَتْ بِالْيَاءِ وَالنُّون , كَجَمْعِ الرِّجَال , إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِنَاء مِنْ وَاحِده وَاثْنَيْهِ , كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْض الْعَرَب سَمَاعًا : أَطْعَمَنَا مَرَقَة مَرَقِين : يَعْنِي اللَّحْم الْمَطْبُوخ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَدْ رَوِيَتْ إِلَّا الدُّهَيْد هِينَا قُلَيِّصَات وَأُبَيْكِرِينَا فَقَالَ : وَأُبَيْكِرِينَا , فَجَمَعَهَا بِالنُّونِ إِذْ لَمْ يَقْصِد عَدَدًا مَعْلُومًا مِنْ الْبَكَارَة , بَلْ أَرَادَ عَدَدًا لَا يُحَدّ آخِره , وَكَمَا قَالَ الْآخَر : فَأَصْبَحَتْ الْمَذَاهِب قَدْ أَذَاعَتْ بِهَا الْإِعْصَار بَعْد الْوَابِلِينَا يَعْنِي : مَطَرًا بَعْد مَطَر غَيْر مَحْدُود الْعَدَد , وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب فِي كُلّ جَمْع لَمْ يَكُنْ بِنَاء لَهُ مِنْ وَاحِده وَاثْنَيْهِ , فَجَمْعه فِي جَمِيع الْإِنَاث , وَالذُّكْرَان بِالنُّونِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلهمْ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء : عِشْرُونَ وَثَلَاثُونَ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا , فَبَيِّن أَنَّ قَوْله : { لَفِي عِلِّيِّينَ } مَعْنَاهُ : فِي عُلُوّ وَارْتِفَاع , فِي سَمَاء فَوْق سَمَاء , وَعُلُوّ فَوْق عُلُوّ , وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة , وَإِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى , وَإِلَى قَائِمَة الْعَرْش , وَلَا خَبَر يَقْطَع الْعُذْر بِأَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ بَعْض ذَلِكَ دُون بَعْض . وَالصَّوَاب أَنْ يُقَال فِي ذَلِكَ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ كِتَاب أَعْمَال الْأَبْرَار لَفِي اِرْتِفَاع إِلَى حَدّ قَدْ عَلِمَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ مُنْتَهَاهُ , وَلَا عِلْم عِنْدنَا بِغَايَتِهِ , غَيْر أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْصُر عَنْ السَّمَاء السَّابِعَة , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى ذَلِكَ .