خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة المطففين تفسير القرطبي الآية 6
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﰅ ﴿٦﴾

سورة المطففين تفسير القرطبي

فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : الْعَامِل فِي " يَوْم " فِعْل مُضْمَر , دَلَّ عَلَيْهِ " مَبْعُوثُونَ " وَالْمَعْنَى يُبْعَثُونَ " يَوْم يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون بَدَلًا مِنْ يَوْم فِي " لِيَوْمٍ عَظِيم " , وَهُوَ مَبْنِيّ . وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع خَفْض ; لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى غَيْر مُتَمَكِّن . وَقِيلَ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الظَّرْف أَيْ فِي يَوْم , وَيُقَال : أَقِمْ إِلَى يَوْم يَخْرُج فُلَان , فَتَنْصِب يَوْم , فَإِنْ أَضَافُوا إِلَى الِاسْم فَحِينَئِذٍ يَخْفِضُونَ وَيَقُولُونَ : أَقِمْ إِلَى يَوْم خُرُوج فُلَان . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , التَّقْدِير إِنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يَوْم يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ لِيَوْمٍ عَظِيم . الثَّانِيَة : وَعَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان : أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لَهُ : قَدْ سَمِعْت مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ ; أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُطَفِّفِينَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْوَعِيد الْعَظِيم الَّذِي سَمِعْت بِهِ , فَمَا ظَنُّك بِنَفْسِك وَأَنْتَ تَأْخُذ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ بِلَا كَيْل وَلَا وَزْن . وَفِي هَذَا الْإِنْكَار وَالتَّعْجِيب وَكَلِمَة الظَّنّ , وَوَصْف الْيَوْم بِالْعَظِيمِ , وَقِيَام النَّاس فِيهِ لِلَّهِ خَاضِعِينَ , وَوَصْف ذَاته بِرَبِّ الْعَالَمِينَ , بَيَان بَلِيغ لِعِظَمِ الذَّنْب , وَتَفَاقُم الْإِثْم فِي التَّطْفِيف , وَفِيمَا كَانَ فِي مِثْل حَاله مِنْ الْحَيْف , وَتَرْك الْقِيَام بِالْقِسْطِ , وَالْعَمَل عَلَى التَّسْوِيَة وَالْعَدْل , فِي كُلّ أَخْذ وَإِعْطَاء , بَلْ فِي كُلّ قَوْل وَعَمَل . الثَّالِثَة : قَرَأَ اِبْن عُمَر : " وَيْل لِلْمُطَفِّفِينَ " حَتَّى بَلَغَ " يَوْم يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " فَبَكَى حَتَّى سَقَطَ , وَامْتَنَعَ مِنْ قِرَاءَة مَا بَعْدَهُ , ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ( يَوْم يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ , فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة , فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ الْعَرَق كَعْبَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ رُكْبَتَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ حَقْوَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ صَدْره , وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ أُذُنَيْهِ , حَتَّى إِنَّ أَحَدهمْ لَيَغِيب فِي رَشْحه كَمَا يَغِيب الضُّفْدَع ) . وَرَوَى نَاس عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يَقُومُونَ مِقْدَار ثَلَاثمِائِة سَنَة . قَالَ : وَيُهَوَّن عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَدْر صَلَاتهمْ الْفَرِيضَة . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَقُومُونَ أَلْف عَام فِي الظُّلَّة ) . وَرَوَى مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَوْم يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى إِنَّ أَحَدهمْ لَيَقُوم فِي رَشْحه إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ ) . وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقُوم مِائَة سَنَة ) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَشِيرٍ الْغِفَارِيّ : ( كَيْف أَنْتَ صَانِع فِي يَوْم يَقُوم النَّاس فِيهِ مِقْدَار ثَلَاثمِائِة سَنَة لِرَبِّ الْعَالَمِينَ , لَا يَأْتِيهِمْ فِيهِ خَبَر , وَلَا يُؤْمَر فِيهِ بِأَمْرٍ ) قَالَ بَشِير : الْمُسْتَعَان اللَّه . قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَنْ الْمُؤْمِن , حَتَّى يَكُون أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا ) فِي " سَأَلَ سَائِل " [ الْمَعَارِج : 1 ] . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : يُهَوَّن عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَدْر صَلَاتهمْ الْفَرِيضَة . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ الْمَقَام عَلَى الْمُؤْمِن كَزَوَالِ الشَّمْس ; وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا مِنْ الْكِتَاب قَوْله الْحَقّ : " أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " [ يُونُس : 62 ] ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ : " الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " [ يُونُس : 63 ] جَعَلَنَا اللَّه مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ . وَمَنِّهِ آمِينَ . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالنَّاسِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يَقُوم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ; قَالَهُ اِبْن جُبَيْر وَفِيهِ بُعْد ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَار فِي ذَلِكَ , وَهِيَ صَحِيحَة ثَابِتَة , وَحَسْبُك بِمَا فِي صَحِيح مُسْلِم , وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَوْم يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " قَالَ : ( يَقُوم أَحَدهمْ فِي رَشْحه إِلَى نِصْف أُذُنَيْهِ ) . ثُمَّ قِيلَ : هَذَا الْقِيَام يَوْم يَقُومُونَ مِنْ قُبُورهمْ . وَقِيلَ : فِي الْآخِرَة بِحُقُوقِ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ يَزِيد الرَّشْك : يَقُومُونَ بَيْن يَدَيْهِ لِلْقَضَاءِ . الرَّابِعَة : الْقِيَام لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانه حَقِير بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَظَمَته وَحَقّه , فَأَمَّا قِيَام النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ فَاخْتَلَفَ فِيهِ النَّاس ; فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَى جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَاعْتَنَقَهُ , وَقَامَ طَلْحَة لِكَعْبِ بْن مَالِك يَوْم تِيبَ عَلَيْهِ . وَقَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ حِين طَلَعَ عَلَيْهِ سَعْد بْن مُعَاذ : ( قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ) . وَقَالَ أَيْضًا : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ النَّاس قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار ) . وَذَلِكَ يَرْجِع إِلَى حَال الرَّجُل وَنِيَّته , فَإِنْ اِنْتَظَرَ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَهُ لِنَفْسِهِ , فَهُوَ مَمْنُوع , وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيق الْبَشَاشَة وَالْوُصْلَة فَإِنَّهُ جَائِز , وَخَاصَّة عِنْد الْأَسْبَاب , كَالْقُدُومِ مِنْ السَّفَر وَنَحْوه . وَقَدْ مَضَى فِي آخِر سُورَة " يُوسُف " شَيْء مِنْ هَذَا .