خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الفجر تفسير القرطبي الآية 6
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﰅ ﴿٦﴾

سورة الفجر تفسير القرطبي

" رَبّك " أَيْ مَالِكُك وَخَالِقُك . " بِعَادٍ " قِرَاءَة الْعَامَّة " بِعَادٍ " مُنَوَّنًا . وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو الْعَالِيَة " بِعَادٍ إِرَم " مُضَافًا . فَمَنْ لَمْ يُضِفْ جَعَلَ " إِرَم " اِسْمه , وَلَمْ يَصْرِفْهُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ عَادًا اِسْم أَبِيهِمْ , وَإِرَم اِسْم الْقَبِيلَة وَجَعَلَهُ بَدَلًا مِنْهُ , أَوْ عَطْف بَيَان . وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْإِضَافَةِ وَلَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ اِسْم أُمّهمْ , أَوْ اِسْم بَلْدَتهمْ . وَتَقْدِيره : بِعَادٍ أَهْل إِرَم . كَقَوْلِهِ : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] وَلَمْ تَنْصَرِفْ - قَبِيلَة كَانَتْ أَوْ أَرْضًا - لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيث . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " إِرَم " بِكَسْرِ الْهَمْزَة . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا " بِعَادَ إِرَمَ " مَفْتُوحَتَيْنِ , وَقُرِئَ " بِعَادَ إِرْم " بِسُكُونِ الرَّاء , عَلَى التَّخْفِيف كَمَا قُرِئَ " بِوَرْقِكُمْ " . وَقُرِئَ " بِعَادٍ إِرَمِ ذَات الْعِمَاد " بِإِضَافَةِ " إِرَم " - إِلَى - " ذَات الْعِمَاد " . وَالْإِرَم : الْعَلَم . أَيْ بِعَادٍ أَهْل ذَات الْعَلَم . وَقُرِئَ " بِعَادٍ إِرَمَ ذَات الْعِمَاد " أَيْ جَعَلَ اللَّه ذَات الْعِمَاد رَمِيمًا . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة " أَرَمَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة . قَالَ مُجَاهِد : مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة شَبَّهَهُمْ بِالْآرَامِ , الَّتِي هِيَ الْأَعْلَام , وَاحِدهَا : أَرَم . وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير أَيْ وَالْفَجْر وَكَذَا وَكَذَا إِنَّ رَبّك لَبِالْمِرْصَادِ أَلَمْ تَرَ . أَيْ أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمك إِلَى مَا فَعَلَ رَبّك بِعَادٍ . وَهَذِهِ الرُّؤْيَة رُؤْيَة الْقَلْب , وَالْخِطَاب لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرَاد عَامّ . وَكَانَ أَمْر عَادَ وَثَمُود عِنْدهمْ مَشْهُورًا إِذْ كَانُوا فِي بِلَاد الْعَرَب , وَحِجْر ثَمُود مَوْجُود الْيَوْم . وَأَمْر فِرْعَوْن كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنْ جِيرَانهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب , وَاسْتَفَاضَتْ بِهِ الْأَخْبَار , وَبِلَاد فِرْعَوْن مُتَّصِلَة بِأَرْضِ الْعَرَب . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة " الْبُرُوج " وَغَيْرهَا " بِعَادٍ " أَيْ بِقَوْمِ عَادٍ . فَرَوَى شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : إِنْ كَانَ الرَّجُل مِنْ قَوْم عَادٍ لَيَتَّخِذ الْمِصْرَاع مِنْ حِجَارَة , وَلَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُقِلُّوهُ , وَإِنْ كَانَ أَحَدهمْ لَيُدْخِل قَدَمَهُ فِي الْأَرْض فَتَدْخُل فِيهَا .