ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﰚ
﴿٢٧﴾سورة التوبة تفسير القرطبي
أَيْ عَلَى مَنْ اِنْهَزَمَ فَيَهْدِيه إِلَى الْإِسْلَام . كَمَالِك بْن عَوْف النَّصْرِيّ رَئِيس حُنَيْن وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ قَوْمه .
وَلَمَّا قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِم حُنَيْن بِالْجِعْرَانَةِ , أَتَاهُ وَفْد هَوَازِن مُسْلِمِينَ رَاغِبِينَ فِي الْعَطْف عَلَيْهِمْ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ , وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّك خَيْر النَّاس وَأَبَرّ النَّاس , وَقَدْ أَخَذْت أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَأَمْوَالنَا . فَقَالَ لَهُمْ : ( إِنِّي قَدْ كُنْت اِسْتَأْنَيْت بِكُمْ وَقَدْ وَقَعَتْ الْمَقَاسِم وَعِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ وَإِنَّ خَيْر الْقَوْل أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِمَّا ذَرَارِيّكُمْ وَإِمَّا أَمْوَالكُمْ ) . فَقَالُوا : لَا نَعْدِل بِالْأَنْسَابِ شَيْئًا . فَقَامَ خَطِيبًا وَقَالَ : ( هَؤُلَاءِ جَاءُونَا مُسْلِمِينَ وَقَدْ خَيَّرْنَاهُمْ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالْأَنْسَابِ فَرَضَوْا بِرَدِّ الذُّرِّيَّة وَمَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْد الْمُطَّلِب وَبَنِي هَاشِم فَهُوَ لَهُمْ ) . وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار : أَمَّا مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَامْتَنَعَ الْأَقْرَع بْن حَابِس وَعُيَيْنَة بْن حِصْن فِي قَوْمهمَا مِنْ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمَّا وَقَعَ لَهُمْ فِي سِهَامهمْ . وَامْتَنَعَ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس السُّلَمِيّ كَذَلِكَ , وَطَمِعَ أَنْ يُسَاعِدهُ قَوْمه كَمَا سَاعَدَ الْأَقْرَع وَعُيَيْنَة قَوْمهمَا . فَأَبَتْ بَنُو سُلَيْم وَقَالُوا : بَلْ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ ضَنَّ مِنْكُمْ بِمَا فِي يَدَيْهِ فَإِنَّا نُعَوِّضهُ مِنْهُ ) . فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ , وَعَوَّضَ مَنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسه بِتَرْكِ نَصِيبه أَعْوَاضًا رَضَوْا بِهَا . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ظِئْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ مِنْ بَنِي سَعْد أَتَتْهُ يَوْم حُنَيْن فَسَأَلَتْهُ سَبَايَا حُنَيْن فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي لَا أَمْلِك إِلَّا مَا يُصِيبنِي مِنْهُمْ وَلَكِنْ ايِتِينِي غَدًا فَاسْأَلِينِي وَالنَّاس عِنْدِي فَإِذَا أَعْطَيْتُك حِصَّتِي أَعْطَاك النَّاس ) . فَجَاءَتْ الْغَد فَبَسَطَ لَهَا ثَوْبه فَأَقْعَدَهَا عَلَيْهِ . ثُمَّ سَأَلَتْهُ فَأَعْطَاهَا نَصِيبه فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاس أَعْطَوْهَا أَنْصِبَاءَهُمْ . وَكَانَ عَدَد سَبْي هَوَازِن فِي قَوْل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب سِتَّة آلَاف رَأْس . وَقِيلَ : أَرْبَعَة آلَاف . قَالَ أَبُو عُمَر : فِيهِنَّ الشَّيْمَاء أُخْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَة , وَهِيَ بِنْت الْحَارِث بْن عَبْد الْعُزَّى مِنْ بَنَى سَعْد بْن بَكْر وَبِنْت حَلِيمَة السَّعْدِيَّة , فَأَكْرَمَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَاهَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا , وَرَجَعَتْ مَسْرُورَة إِلَى بِلَادهَا بِدِينِهَا وَبِمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أَوْطَاس اِمْرَأَة تَعْدُو وَتَصِيح وَلَا تَسْتَقِرّ , فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ : فَقَدَتْ بُنَيًّا لَهَا . ثُمَّ رَآهَا وَقَدْ وَجَدَتْ اِبْنهَا وَهِيَ تُقَبِّلهُ وَتُدْنِيه , فَدَعَاهَا وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : ( أَطَارِحَة هَذِهِ وَلَدهَا فِي النَّار ) ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : ( لِمَ ) ؟ قَالُوا : لِشَفَقَتِهَا . قَالَ : ( اللَّه أَرْحَم بِكُمْ مِنْهَا ) . وَخَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ وَالْحَمْد لِلَّهِ .