وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ﰉ
﴿١٠﴾سورة الشمس تفسير القرطبي
أَيْ خَسِرَتْ نَفْسٌ دَسَّهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَعْصِيَةِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : خَابَتْ نَفْس أَضَلَّهَا وَأَغْوَاهَا . وَقِيلَ : أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسه بِطَاعَةِ اللَّه , وَصَالِح الْأَعْمَال , وَخَابَ مَنْ دَسَّ نَفْسه فِي الْمَعَاصِي قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَأَصْل الزَّكَاة : النُّمُوّ وَالزِّيَادَة , وَمِنْهُ زَكَا الزَّرْع : إِذَا كَثُرَ رِيعُهُ , وَمِنْهُ تَزْكِيَة الْقَاضِي لِلشَّاهِدِ ; لِأَنَّهُ يَرْفَعهُ بِالتَّعْدِيلِ , وَذِكْر الْجَمِيل . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّل سُورَة " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى . فَمُصْطَنِع الْمَعْرُوف وَالْمُبَادِر إِلَى أَعْمَال الْبِرّ , شَهَرَ نَفْسه وَرَفَعَهَا . وَكَانَتْ أَجْوَاد الْعَرَب تَنْزِلُ الرُّبَا وَارْتِفَاع الْأَرْض , لِيَشْتَهِرَ مَكَانهَا لِلْمُعْتِفِينَ , وَتُوقَد النَّار فِي اللَّيْل لِلطَّارِقِينَ . وَكَانَتْ اللِّئَام تَنْزِل الْأَوْلَاج وَالْأَطْرَاف وَالْأَهْضَام , لِيَخْفَى مَكَانهَا عَنْ الطَّالِبِينَ . فَأُولَئِكَ عَلَّوْا أَنْفُسهمْ وَزَكَّوْهَا , وَهَؤُلَاءِ أَخْفَوْا أَنْفُسهمْ وَدَسُّوهَا . وَكَذَا الْفَاجِر أَبَدًا خَفِيُّ الْمَكَان , زَمِر الْمُرُوءَة غَامِض الشَّخْص , نَاكِس الرَّأْس بِرُكُوبِ الْمَعَاصِي . وَقِيلَ : دَسَّاهَا : أَغْوَاهَا . قَالَ : وَأَنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأَصْبَحَتْ حَلَائِلُهُ مِنْهُ أَرَامِلَ ضُيَّعَا قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَالْأَصْل : دَسَّسَهَا , مِنْ التَّدْسِيس , وَهُوَ إِخْفَاء الشَّيْء , فَأُبْدِلَتْ سِينُهُ يَاء كَمَا يُقَال : قَصَّيْتُ أَظْفَارِي وَأَصْله قَصَّصْتُ أَظْفَارِي . وَمِثْله قَوْلهمْ فِي تَقَضَّضَ : تَقَضَّى . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ : " وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا " أَيْ دَسَّ نَفْسه فِي جُمْلَة الصَّالِحِينَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ .