خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الليل تفسير القرطبي الآية 15
لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ﰎ ﴿١٥﴾

سورة الليل تفسير القرطبي

أَيْ لَا يَجِد صِلَاهَا وَهُوَ حَرّهَا .



أَيْ الشَّقِيّ . وَقَالَ : الْفَرَّاء : " إِلَّا الْأَشْقَى " إِلَّا مَنْ كَانَ شَقِيًّا فِي عِلْم اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى " أُمَيَّة بْن خَلَف وَنُظَرَاؤُهُ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ قَتَادَة : كَذَّبَ بِكِتَابِ اللَّه , وَتَوَلَّى عَنْ طَاعَة اللَّه . وَقَالَ الْفَرَّاء : لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظَاهِر , وَلَكِنَّهُ قَصَرَ عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنْ الطَّاعَة فَجُعِلَ تَكْذِيبًا , كَمَا تَقُول : لَقِيَ فُلَان الْعَدُوّ فَكَذَّبَ : إِذَا نَكَلَ وَرَجَعَ عَنْ اِتِّبَاعه . قَالَ : وَسَمِعْت أَبَا ثَرْوَان يَقُول : إِنَّ بَنِي نُمَيْر لَيْسَ لِجَدِّهِمْ مَكْذُوبَة . يَقُول : إِذَا لَقُوا صَدَقُوا الْقِتَال , وَلَمْ يَرْجِعُوا . وَكَذَلِكَ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَة " [ الْوَاقِعَة : 2 ] يَقُول : هِيَ حَقّ . وَسَمِعْت سَلْمَ بْن الْحَسَن يَقُول : سَمِعْت أَبَا إِسْحَاق الزُّجَاج يَقُول : هَذِهِ الْآيَة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا قَالَ أَهْل الْإِرْجَاء بِالْإِرْجَاءِ , فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَدْخُل النَّار إِلَّا كَافِر لِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى . الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى " وَلَيْسَ الْأَمْر كَمَا ظَنُّوا . هَذِهِ نَار مَوْصُوفَة بِعَيْنِهَا , لَا يَصْلَى هَذِهِ النَّار إِلَّا الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى . وَلِأَهْلِ النَّار مَنَازِل فَمِنْهَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار وَاَللَّه سُبْحَانه كُلّ مَا وَعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنْ الْعَذَاب فَجَائِز أَنْ يُعَذِّب بِهِ . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " [ النِّسَاء : 48 ] , فَلَوْ كَانَ كُلّ مَنْ لَمْ يُشْرِك لَمْ يُعَذَّب , لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله : " وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " فَائِدَة , وَكَانَ " وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ " كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ .



الزَّمَخْشَرِيّ : الْآيَة وَارِدَة فِي الْمُوَازَنَة بَيْن حَالَتَيْ عَظِيم مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَظِيم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَأُرِيدَ أَنْ يُبَالِغ فِي صِفَتَيْهِمَا الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ فَقِيلَ : الْأَشْقَى , وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصَّلْيِ , كَأَنَّ النَّار لَمْ تُخْلَق إِلَّا لَهُ وَقِيلَ : الْأَتْقَى , وَجَعَلَ مُخْتَصًّا بِالْجَنَّةِ , كَأَنَّ الْجَنَّة لَمْ تُخْلَق إِلَّا لَهُ وَقِيلَ : هُمَا أَبُو جَهْل أَوْ أُمَيَّة بْن خَلَف . وَأَبُو بَكْر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ -