وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ ﰔ
﴿٢١﴾سورة الليل تفسير القرطبي
أَيْ سَوْفَ يُعْطِيهِ فِي الْجَنَّة مَا يُرْضِي وَذَلِكَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ أَضْعَاف مَا أَنْفَقَ . وَرَوَى أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : [ رَحِمَ اللَّه أَبَا بَكْر زَوَّجَنِي اِبْنَته , وَحَمَلَنِي إِلَى دَار الْهِجْرَة , وَأَعْتَقَ بِلَالًا مِنْ مَالِهِ ] . وَلَمَّا اِشْتَرَاهُ أَبُو بَكْر قَالَ لَهُ بِلَال : هَلْ اِشْتَرَيْتنِي لِعَمَلِك أَوْ لِعَمَلِ اللَّه ؟ قَالَ : بَلْ لِعَمَلِ اللَّه قَالَ : فَذَرْنِي وَعَمَل اللَّه , فَأَعْتَقَهُ . وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُول : أَبُو بَكْر سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلَالًا - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ عَطَاء - وَرَوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس - : إِنَّ السُّورَة نَزَلَتْ فِي أَبِي الدَّحْدَاح فِي النَّخْلَة الَّتِي اِشْتَرَاهَا بِحَائِطٍ لَهُ , فِيمَا ذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ عَطَاء . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : بِأَرْبَعِينَ نَخْلَة وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُل . قَالَ عَطَاء : كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَار نَخْلَة , يَسْقُط مِنْ بَلَحِهَا فِي دَار جَارٍ لَهُ , فَيَتَنَاوَلهُ صِبْيَانُهُ , فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ تَبِيعهَا بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّة ] ؟ فَأَبَى فَخَرَجَ فَلَقِيَهُ أَبُو الدَّحْدَاح فَقَالَ : هَلْ لَك أَنْ تَبِيعَنِيهَا ب " حُسْنَى " : حَائِط لَهُ . فَقَالَ : هِيَ لَك . فَأَتَى أَبُو الدَّحْدَاح إِلَى النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , اِشْتَرِهَا مِنِّي بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّة . قَالَ : [ نَعَمْ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ] فَقَالَ : هِيَ لَك يَا رَسُول اللَّه , فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَار الْأَنْصَارِيّ , فَقَالَ : [ خُذْهَا ] فَنَزَلَتْ " وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى " [ اللَّيْل : 1 ] إِلَى آخِر السُّورَة فِي بُسْتَان أَبِي الدَّحْدَاح وَصَاحِب النَّخْلَة . " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى " يَعْنِي أَبَا الدَّحْدَاح . " وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى " أَيْ بِالثَّوَابِ . " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى " : يَعْنِي الْجَنَّة . " وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى " يَعْنِي الْأَنْصَارِيّ . " وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى " أَيْ بِالثَّوَابِ . " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى " , يَعْنِي جَهَنَّم . " وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى " أَيْ مَاتَ . إِلَى قَوْله : " لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى " يَعْنِي بِذَلِكَ الْخَزْرَجِيّ وَكَانَ مُنَافِقًا , فَمَاتَ عَلَى نِفَاقه . " وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى " يَعْنِي أَبَا الدَّحْدَاح . " الَّذِي يُؤْتِي مَاله يَتَزَكَّى " فِي ثَمَن تِلْكَ النَّخْلَة . " مَا لِأَحَدٍ عِنْده مِنْ نِعْمَة تُجْزَى " يُكَافِئُهُ عَلَيْهَا يَعْنِي أَبَا الدَّحْدَاح . " وَلَسَوْفَ يَرْضَى " إِذَا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة . وَالْأَكْثَر أَنَّ السُّورَة نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَغَيْرهمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرًا آخَر لِأَبِي الدَّحْدَاح فِي سُورَة " الْبَقَرَة " , عِنْد قَوْله : " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا "