خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الليل تفسير القرطبي الآية 8
وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ﰇ ﴿٨﴾

سورة الليل تفسير القرطبي

أَيْ ضَنَّ بِمَا عِنْده , فَلَمْ يَبْذُل خَيْرًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَثَمَرَته فِي الدُّنْيَا فِي سُورَة " آل عِمْرَان " . وَفِي الْآخِرَة مَآله النَّار , كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى " قَالَ : سَوْفَ أَحُولُ بَيْنه وَبَيْن الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ . وَعَنْهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْن خَلَف وَرَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى " يَقُول : بَخِلَ بِمَالِهِ , وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبّه .



مَسْأَلَة : قَالَ الْعُلَمَاء : ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَة وَبِقَوْلِهِ : " وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " [ الْبَقَرَة : 3 ] , وَقَوْله : " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سِرًّا وَعَلَانِيَة " [ الْبَقَرَة : 274 ] إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات - أَنَّ الْجُود مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق , وَالْبُخْل مِنْ أَرْذَلهَا . وَلَيْسَ الْجَوَاد الَّذِي يُعْطِي فِي غَيْر مَوْضِع الْعَطَاء , وَلَا الْبَخِيل الَّذِي يَمْنَع فِي مَوْضِع الْمَنْع , لَكِنَّ الْجَوَاد الَّذِي يُعْطِي فِي مَوْضِع الْعَطَاء , وَالْبَخِيل الَّذِي يَمْنَع فِي مَوْضِع الْعَطَاء , فَكُلّ مَنْ اِسْتَفَادَ بِمَا يُعْطِي أَجْرًا وَحَمْدًا فَهُوَ الْجَوَاد . وَكُلّ مَنْ اِسْتَحَقَّ بِالْمَنْعِ ذَمًّا أَوْ عِقَابًا فَهُوَ الْبَخِيل . وَمَنْ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالْعَطَاءِ أَجْرًا وَلَا حَمْدًا , وَإِنَّمَا اِسْتَوْجَبَ بِهِ ذَمًّا فَلَيْسَ بِجَوَادٍ , وَإِنَّمَا هُوَ مُسَوِّف مَذْمُوم , وَهُوَ مِنْ الْمُبَذِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّه إِخْوَان الشَّيَاطِين , وَأَوْجَبَ الْحَجْر عَلَيْهِمْ . وَمَنْ لَمْ يَسْتَوْجِب بِالْمَنْعِ عِقَابًا وَلَا ذَمًّا , وَاسْتَوْجَبَ بِهِ حَمْدًا , فَهُوَ مِنْ أَهْل الرُّشْد , الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْقِيَام عَلَى أَمْوَال غَيْرهمْ , بِحُسْنِ تَدْبِيرهمْ وَسَدَاد رَأْيهمْ .