آخر الأخبار

حكم بيع الوكيل لنفسه

منظر كتب قديمة وقلم ريشة مع لوحة نص عربي عنوانها بيع الوكيل لنفسه في الفقه الإسلامي بين الجواز والمنع وأقوال ابن باز
بيع الوكيل لنفسه في الفقه الإسلامي بين الجواز والمنع
تنبيه مهم
هذه المادة ليست فتوى شرعية خاصة بالحالات الفردية وإنما هي بحث علمي مختصر في أقوال الفقهاء والعلماء حول مسألة بيع الوكيل لنفسه وما يتعلق بها من أحكام وضوابط شرعية.
تمهيد المسألة
قد يقوم شخص بتوكيل صديقه أو قريبه في استلام بضاعة أو بيعها نيابة عنه، ثم يرغب الوكيل لاحقًا في شراء تلك البضاعة لنفسه بعد أن لم يجد مشتريًا مناسبًا لها. وهنا تظهر مسألة فقهية دقيقة تُعرف عند العلماء بمسألة “بيع الوكيل لنفسه” أو “شراء الوكيل من نفسه”.

وهذه المسألة من المسائل التي تكلم فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا بتفصيل؛ لأنها تتعلق بالأمانة والوكالة وتعارض المصالح واحتمال وقوع الغبن أو التهمة.

الأصل الشرعي في الوكالة
الوكيل في الشريعة نائب عن موكله ومؤتمن على ماله وحقوقه، ولهذا فإن الأصل في الوكالة أن يتصرف الوكيل بما يحقق مصلحة الموكِّل لا مصلحته الشخصية.

وقد قرر الفقهاء أن يد الوكيل يد أمانة وأن عليه واجب حفظ الحق والسعي في تحقيق المصلحة وعدم الإضرار بصاحب المال.

سبب الإشكال في بيع الوكيل لنفسه
سبب الخلاف الفقهي في هذه المسألة أن الوكيل إذا باع لنفسه أصبح في موضعين متعارضين في وقت واحد:

• بائعًا بالنيابة عن الموكِّل.

• ومشتريًا بالأصالة لنفسه.

وهذا قد يفتح باب التهمة؛ لأن الإنسان بطبعه قد يميل إلى مصلحته الشخصية فيشتري بأقل من القيمة الحقيقية أو يقصر في البحث عن مشترٍ أعلى سعرًا.

أقوال الفقهاء المتقدمين
الكاساني الحنفي في كتاب “بدائع الصنائع” قرر أن الوكيل لا يشتري لنفسه من مال موكله إلا بإذنه لأن في ذلك جمعًا بين مصلحة نفسه ومصلحة موكله وهو موضع تهمة.

وابن عبد البر المالكي نقل الجواز إذا أذن الموكِّل أو انتفت التهمة أما مع احتمال المحاباة أو الغبن فلا يجوز.

والإمام الشافعي شدد في المسألة ومنع بيع الوكيل لنفسه ولو كان بمثل الثمن سدًا لباب التهمة.

وابن قدامة الحنبلي ذكر في “المغني” أن شراء الوكيل من نفسه غير جائز إلا بما يرفع التهمة ويحقق مصلحة الموكِّل.

كما تكلم في هذه المسألة عدد من علماء أهل السنة مثل السرخسي وابن رشد والحطاب والدردير والدسوقي والبهوتي وغيرهم من أئمة المذاهب الفقهية.

أقوال العلماء المعاصرين
الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله أكد أن الوكيل مؤتمن وأن عليه أن يتقي الله في بيع مال موكله وألا يضر به وأن يلتزم بسعر السوق والمصلحة.

والشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين رحمه الله أوضح أن الوكيل لا يبيع لنفسه أو لولده إلا بإذن الموكِّل لأن محل التهمة قائم، وذكر أن الإشكال يزول إذا أذن الموكِّل صراحة.

والشيخ محمد المختار الشنقيطي ذكر الخلاف الفقهي في المسألة وبين أن بعض أهل العلم أجاز ذلك عند إطلاق الوكالة وانتفاء التهمة ووجود العدل.

كما عرضت الموسوعات الفقهية المعاصرة ومواقع الفتاوى العلمية كالموسوعة الفقهية في الدرر السنية وإسلام ويب أقوال أهل العلم في المسألة وبينت أنها من المسائل الاجتهادية الخلافية بين الفقهاء.

متى يجوز للوكيل أن يشتري لنفسه؟
ذكر الفقهاء عدة ضوابط إذا تحققت كان الأمر أقرب للجواز ومن أهمها:

• أن يأذن الموكِّل بذلك صراحة أو عرفًا.

• أن يكون الشراء بسعر السوق الحقيقي دون بخس.

• ألا يكتم الوكيل وجود مشترٍ أعلى.

• ألا يكون في التصرف استغلال للثقة أو الأمانة.

• أن يكون التعامل واضحًا خاليًا من التدليس.

نقطة يغفل عنها كثير من الناس
المسألة لا تتعلق فقط بصحة البيع وإنما تتعلق أيضًا بأداء الوكيل لواجب الأمانة كاملًا.

فقد يكون العقد صحيحًا من حيث الشكل لكنه يشتمل على إثم إذا كان الوكيل قد قصّر في البحث عن مصلحة موكله أو تعمد شراء السلعة بأقل من قيمتها الحقيقية.

ولهذا فرّق الفقهاء بين “صحة العقد” وبين “براءة الذمة”.

الخلاصة
مسألة بيع الوكيل لنفسه من المسائل الدقيقة التي راعت فيها الشريعة جانب الأمانة ومنع التهمة وتحقيق العدل.

وقد اختلف الفقهاء فيها بين مانع إلا بإذن صريح وبين مجيز عند انتفاء التهمة وتحقيق مصلحة الموكِّل.

والأحوط والأبرأ للذمة أن يخبر الوكيل صاحب البضاعة برغبته في الشراء وأن يأخذ موافقته الصريحة قبل أن يشتريها لنفسه.

للاطلاع والتوسع
• بدائع الصنائع للكاساني.

• الاستذكار لابن عبد البر.

• روضة الطالبين للنووي.

• المغني لابن قدامة.

• المبسوط للسرخسي.

• كشاف القناع للبهوتي.

• الموسوعة الفقهية في الدرر السنية.

Share this content: