فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ﰟ
﴿٣٢﴾سورة يونس تفسير القرطبي
فِيهِ ثَمَانِي مَسَائِل : الْأُولَى : " فَذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ الْحَقّ " أَيْ هَذَا الَّذِي يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء هُوَ رَبّكُمْ الْحَقّ , لَا مَا أَشْرَكْتُمْ مَعَهُ . " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ " " ذَا " صِلَة أَيْ مَا بَعْد عِبَادَة الْإِلَه الْحَقّ إِذَا تَرَكْت عِبَادَته إِلَّا الضَّلَال . وَقَالَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ : ظَاهِر هَذِهِ الْآيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْد اللَّه هُوَ الضَّلَال ; لِأَنَّ أَوَّلهَا " فَذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ الْحَقّ " وَآخِرهَا " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " فَهَذَا فِي الْإِيمَان وَالْكُفْر , لَيْسَ فِي الْأَعْمَال . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْكُفْر تَغْطِيَة الْحَقّ , وَكُلّ مَا كَانَ غَيْر الْحَقّ جَرَى هَذَا الْمَجْرَى ; فَالْحَرَام ضَلَال وَالْمُبَاح هُدًى ; فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْمُبِيح وَالْمُحَرِّم . وَالصَّحِيح الْأَوَّل ; لِأَنَّ قَبْل " قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض " ثُمَّ قَالَ " فَذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ الْحَقّ " أَيْ هَذَا الَّذِي رَزَقَكُمْ , وَهَذَا كُلّه فِعْله هُوَ . " رَبّكُمْ الْحَقّ " أَيْ الَّذِي تَحِقّ لَهُ الْأُلُوهِيَّة وَيَسْتَوْجِب الْعِبَادَة , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيك غَيْره ضَلَال وَغَيْر حَقّ .
الثَّانِيَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : حَكَمَتْ هَذِهِ الْآيَة بِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل مَنْزِلَة ثَالِثَة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة الَّتِي هِيَ تَوْحِيد اللَّه تَعَالَى , وَكَذَلِكَ هُوَ الْأَمْر فِي نَظَائِرهَا , وَهِيَ مَسَائِل الْأُصُول الَّتِي الْحَقّ فِيهَا فِي طَرَف وَاحِد ; لِأَنَّ الْكَلَام فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِي تَعْدِيد وُجُود ذَات كَيْفَ هِيَ , وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَسَائِل الْفُرُوع الَّتِي قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا : " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَة وَمِنْهَاجًا " [ الْمَائِدَة : 48 ] , وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن وَبَيْنهمَا أُمُور مُتَشَابِهَات ) . وَالْكَلَام فِي الْفُرُوع إِنَّمَا هُوَ فِي أَحْكَام طَارِئَة عَلَى وُجُود ذَات مُتَقَرِّرَة لَا يُخْتَلَف فِيهَا وَإِنَّمَا يُخْتَلَف فِي الْأَحْكَام الْمُتَعَلِّقَة بِهَا .
الثَّالِثَة : ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فِي جَوْف اللَّيْل قَالَ : ( اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد ) الْحَدِيث . وَفِيهِ ( أَنْتَ الْحَقّ وَوَعْدك الْحَقّ وَقَوْلك الْحَقّ وَلِقَاؤُك الْحَقّ وَالْجَنَّة حَقّ وَالنَّار حَقّ وَالسَّاعَة حَقّ وَالنَّبِيُّونَ حَقّ وَمُحَمَّد حَقّ ) الْحَدِيث . فَقَوْله : ( أَنْتَ الْحَقّ ) أَيْ الْوَاجِب الْوُجُود ; وَأَصْله مِنْ حَقَّ الشَّيْء أَيْ ثَبَتَ وَوَجَبَ . وَهَذَا الْوَصْف لِلَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ إِذْ وُجُوده لِنَفْسِهِ لَمْ يَسْبِقهُ عَدَم وَلَا يَلْحَقهُ عَدَم ; وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يُقَال عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم مَسْبُوق بِعَدَمٍ , وَيَجُوز عَلَيْهِ لِحَاق الْعَدَم , وَوُجُوده مِنْ مُوجِده لَا مِنْ نَفْسه . وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ أَصْدَق كَلِمَة قَالَهَا الشَّاعِر , كَلِمَة لَبِيد : أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا اللَّه بَاطِل وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا وَجْهه لَهُ الْحُكْم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [ الْقَصَص : 88 ] .
الرَّابِعَة : مُقَابَلَة الْحَقّ بِالضَّلَالِ عُرِفَ لُغَة وَشَرْعًا , كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَكَذَلِكَ أَيْضًا مُقَابَلَة الْحَقّ بِالْبَاطِلِ عُرِفَ لُغَة وَشَرْعًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونه هُوَ الْبَاطِل " [ لُقْمَان : 30 ] . وَالضَّلَال حَقِيقَته الذَّهَاب عَنْ الْحَقّ ; أُخِذَ مِنْ ضَلَال الطَّرِيق , وَهُوَ الْعُدُول عَنْ سَمْته . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الضَّلَالَة عِنْد الْعَرَب سُلُوك غَيْر سَبِيل الْقَصْد ; يُقَال : ضَلَّ عَنْ الطَّرِيق وَأَضَلَّ الشَّيْء إِذَا أَضَاعَهُ . وَخُصَّ فِي الشَّرْع بِالْعِبَارَةِ فِي الْعُدُول عَنْ السَّدَاد فِي الِاعْتِقَاد دُون الْأَعْمَال ; وَمِنْ غَرِيب أَمْره أَنَّهُ يُعَبَّر بِهِ عَنْ عَدَم الْمَعْرِفَة بِالْحَقِّ سُبْحَانه إِذَا قَابَلَهُ غَفْلَة وَلَمْ يَقْتَرِن بِعَدَمِهِ جَهْل أَوْ شَكّ , وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْعُلَمَاء قَوْله تَعَالَى : " وَوَجَدَك ضَالًّا فَهَدَى " [ الضُّحَى : 7 ] أَيْ غَافِلًا , فِي أَحَد التَّأْوِيلَات , يُحَقِّقهُ قَوْله تَعَالَى : " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " [ الشُّورَى : 52 ] .
الْخَامِسَة : رَوَى عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم وَأَشْهَب عَنْ مَالِك فِي قَوْله تَعَالَى : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " قَالَ : اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْد مِنْ الضَّلَال . وَرَوَى يُونُس عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُل يَلْعَب فِي بَيْته مَعَ اِمْرَأَته بِأَرْبَع عَشْرَة ; فَقَالَ مَالِك : مَا يُعْجِبنِي ! وَلَيْسَ مِنْ شَأْن الْمُؤْمِنِينَ , يَقُول اللَّه تَعَالَى : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " . وَرَوَى يُونُس عَنْ أَشْهَب قَالَ : سُئِلَ - يَعْنِي مَالِكًا - عَنْ اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ : لَا خَيْر فِيهِ , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ مِنْ الْبَاطِل , وَاللَّعِب كُلّه مِنْ الْبَاطِل , وَإِنَّهُ لَيَنْبَغِي لِذِي الْعَقْل أَنْ تَنْهَاهُ اللِّحْيَة وَالشَّيْب عَنْ الْبَاطِل . وَقَالَ الزُّهْرِيّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الشِّطْرَنْج : هِيَ مِنْ الْبَاطِل وَلَا أُحِبّهَا .
السَّادِسَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ وَغَيْره إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الْقِمَار ; فَتَحْصِيل مَذْهَب مَالِك وَجُمْهُور الْفُقَهَاء فِي الشِّطْرَنْج أَنَّ مَنْ لَمْ يُقَامِر بِهَا وَلَعِبَ مَعَ أَهْله فِي بَيْته مُسْتَتِرًا بِهِ مَرَّة فِي الشَّهْر أَوْ الْعَام , لَا يُطَّلَع عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَم بِهِ أَنَّهُ مَعْفُوّ عَنْهُ غَيْر مُحَرَّم عَلَيْهِ وَلَا مَكْرُوه لَهُ , وَأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّعَ بِهِ وَاشْتَهَرَ فِيهِ سَقَطَتْ مُرُوءَته وَعَدَالَته وَرُدَّتْ شَهَادَته . وَأَمَّا الشَّافِعِيّ فَلَا تَسْقُط فِي مَذْهَب أَصْحَابه شَهَادَة اللَّاعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج , إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي جَمِيع أَصْحَابه , وَلَمْ يَظْهَر مِنْهُ سَفَه وَلَا رِيبَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أَنْ يَلْعَب بِهِ قِمَارًا , فَإِنْ لَعِبَ بِهَا قِمَارًا وَكَانَ بِذَلِكَ مَعْرُوفًا سَقَطَتْ عَدَالَته وَسَفِهَ نَفْسه لِأَكْلِهِ الْمَال بِالْبَاطِلِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُكْرَه اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْد وَالْأَرْبَعَة عَشَر وَكُلّ اللَّهْو ; فَإِنْ لَمْ تَظْهَر مِنْ اللَّاعِب بِهَا كَبِيرَة وَكَانَتْ مَحَاسِنه أَكْثَر مِنْ مَسَاوِيهِ قُبِلَتْ شَهَادَته عِنْدهمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَتْ الشَّافِعِيَّة إِنَّ الشِّطْرَنْج يُخَالِف النَّرْد لِأَنَّ فِيهِ إِكْدَاد الْفَهْم وَاسْتِعْمَال الْقَرِيحَة . وَالنَّرْد قِمَار غَرَر لَا يُعْلَم مَا يَخْرُج لَهُ فِيهِ كَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ .
السَّابِعَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : النَّرْد قِطَع مَمْلُوءَة مِنْ خَشَب الْبَقْس وَمِنْ عَظْم الْفِيل , وَكَذَا هُوَ الشِّطْرَنْج إِذْ هُوَ أَخُوهُ غُذِّيَ بِلِبَانِهِ . وَالنَّرْد هُوَ الَّذِي يُعْرَف بِالْبَاطِلِ , وَيُعْرَف بِالْكِعَابِ وَيُعْرَف فِي الْجَاهِلِيَّة أَيْضًا بِالْأَرُنْ وَيُعْرَف أَيْضًا بِالنَّرْدَشِير . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِير فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَده فِي لَحْم خِنْزِير وَدَمه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَمَعْنَى هَذَا أَيْ هُوَ كَمَنْ غَمَسَ يَده فِي لَحْم الْخِنْزِير يُهَيِّئهُ لِأَنْ يَأْكُلهُ , وَهَذَا الْفِعْل فِي الْخِنْزِير حَرَام لَا يَجُوز ; يُبَيِّنهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ . عَصَى اللَّه وَرَسُوله ) رَوَاهُ مَالِك وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ حَدِيث صَحِيح , وَهُوَ يُحَرِّم اللَّعِب بِالنَّرْدِ جُمْلَة وَاحِدَة , وَكَذَلِكَ الشِّطْرَنْج , لَمْ يَسْتَثْنِ وَقْتًا مِنْ وَقْت وَلَا حَالًا مِنْ حَال , وَأَخْبَرَ أَنَّ فَاعِل ذَلِكَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُوله ; إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ أَنْ يَكُون عَلَى وَجْه الْقِمَار ; لِمَا رُوِيَ مِنْ إِجَازَة اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ عَنْ التَّابِعِينَ عَلَى غَيْر قِمَار . وَحَمْل ذَلِكَ عَلَى الْعُمُوم قِمَارًا وَغَيْر قِمَار أَوْلَى وَأَحْوَط إِنْ شَاءَ اللَّه . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَلِيمِيّ فِي كِتَاب مِنْهَاج الدِّين : وَمِمَّا جَاءَ فِي الشِّطْرَنْج حَدِيث يُرْوَى فِيهِ كَمَا يُرْوَى فِي النَّرْد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَدْ عَصَى اللَّه وَرَسُوله ) . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِس مِنْ مَجَالِس بَنِي تَمِيم وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَمَا وَاَللَّه لِغَيْرِ هَذَا خُلِقْتُمْ ! أَمَا وَاَللَّه لَوْلَا أَنْ تَكُون سُنَّة لَضَرَبْت بِهِ وُجُوهكُمْ ) . وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ : مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ; لَأَنْ يَمَسّ أَحَدكُمْ جَمْرًا حَتَّى يُطْفَأ خَيْر مِنْ أَنْ يَمَسّهَا . وَسُئِلَ اِبْن عُمَر عَنْ الشِّطْرَنْج فَقَالَ هِيَ شَرّ مِنْ النَّرْد . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : لَا يَلْعَب بِالشِّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئ . وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الشِّطْرَنْج فَقَالَ : دَعُونَا مِنْ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّة . وَفِي حَدِيث طَوِيل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَّ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج وَالْجَوْز وَالْكِعَاب مَقَتَهُ اللَّه وَمَنْ جَلَسَ إِلَى مَنْ يَلْعَب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج لِيَنْظُر إِلَيْهِمْ مُحِيَتْ عَنْهُ حَسَنَاته كُلّهَا وَصَارَ مِمَّنْ مَقَتَهُ اللَّه ) . وَهَذِهِ الْآثَار كُلّهَا تَدُلّ عَلَى تَحْرِيم اللَّعِب بِهَا بِلَا قِمَار , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " الْمَائِدَة " بَيَان تَحْرِيمهَا وَأَنَّهَا كَالْخَمْرِ فِي التَّحْرِيم لِاقْتِرَانِهَا بِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي قَبَسه : وَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّافِعِيّ , وَانْتَهَى حَال بَعْضهمْ إِلَى أَنْ يَقُول : هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ , حَتَّى اِتَّخَذُوهُ فِي الْمَدْرَسَة ; فَإِذَا أَعْيَا الطَّالِب مِنْ الْقِرَاءَة لَعِبَ بِهِ فِي الْمَسْجِد . وَأَسْنَدُوا إِلَى قَوْم مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَعِبُوا بِهَا ; وَمَا كَانَ ذَلِكَ قَطُّ ! وَتَاللَّهِ مَا مَسَّتْهَا يَد تَقِيّ . وَيَقُولُونَ : إِنَّهَا تَشْحَذ الذِّهْن , وَالْعِيَان يُكَذِّبهُمْ , مَا تَبَحَّرَ فِيهَا قَطُّ رَجُل لَهُ ذِهْن . سَمِعْت الْإِمَام أَبَا الْفَضْل عَطَاء الْمَقْدِسِيّ يَقُول بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي الْمُنَاظَرَة : إِنَّهَا تُعَلِّم الْحَرْب . فَقَالَ لَهُ الطُّرْطُوشِيّ : بَلْ تُفْسِد تَدْبِير الْحَرْب ; لِأَنَّ الْحَرْب الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَلِك وَاغْتِيَاله , وَفِي الشِّطْرَنْج تَقُول : شَاه إِيَّاكَ : الْمَلِك نَحِّهِ عَنْ طَرِيقِي ; فَاسْتَضْحَكَ الْحَاضِرِينَ . وَتَارَة شَدَّدَ فِيهَا مَالِك وَحَرَّمَهَا وَقَالَ فِيهَا : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " وَتَارَة اِسْتَهَانَ بِالْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْأَهْوَن , وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الشِّطْرَنْج فَقَالَ : وَمَا الشِّطْرَنْج ؟ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ اِمْرَأَة كَانَ لَهَا اِبْن وَكَانَ مَلِكًا فَأُصِيبَ فِي حَرْب دُون أَصْحَابه ; فَقَالَتْ : كَيْفَ يَكُون هَذَا أَرُونِيهِ عِيَانًا ; فَعُمِلَ لَهَا الشِّطْرَنْج , فَلَمَّا رَأَتْهُ تَسَلَّتْ بِذَلِكَ . وَوَصَفُوا الشِّطْرَنْج لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : لَا بَأْس بِمَا كَانَ مِنْ آلَة الْحَرْب ; قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَا بَأْس بِالشِّطْرَنْجِ وَإِنَّمَا قَالَ لَا بَأْس بِمَا كَانَ مِنْ آلَة الْحَرْب . وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ شُبِّهَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ مِمَّا يُسْتَعَان بِهِ عَلَى مَعْرِفَة أَسْبَاب الْحَرْب , فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمه قَالَ : لَا بَأْس بِمَا كَانَ مِنْ آلَة الْحَرْب , إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ فَلَا بَأْس بِهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُول مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يُتَلَهَّى بِهِ , وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ التَّسَبُّب إِلَى عِلْم الْقِتَال وَالْمُضَارَبَة فِيهِ , أَوْ عَلَى أَنَّ الْخَبَر الْمُسْنَد لَمْ يَبْلُغهُمْ . قَالَ الْحَلِيمِيّ : وَإِذَا صَحَّ الْخَبَر فَلَا حُجَّة لِأَحَدٍ مَعَهُ , وَإِنَّمَا الْحُجَّة فِيهِ عَلَى الْكَافَّة .
الثَّامِنَة : ذَكَرَ اِبْن وَهْب بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَرَّ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ بِالْكُجَّةِ , وَهِيَ حُفَر فِيهَا حَصًى يَلْعَبُونَ بِهَا , قَالَ : فَسَدَّهَا اِبْن عُمَر وَنَهَاهُمْ عَنْهَا . وَذَكَرَ الْهَرَوِيّ فِي بَاب ( الْكَاف مَعَ الْجِيم ) فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس : فِي كُلّ شَيْء قِمَار حَتَّى فِي لَعِب الصِّبْيَان بِالْكُجَّةِ ; قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : هُوَ أَنْ يَأْخُذ الصَّبِيّ خِرْقَة فَيُدَوِّرهَا كَأَنَّهَا كُرَة , ثُمَّ يَتَقَامَرُونَ بِهَا . وَكَجَّ إِذَا لَعِبَ بِالْكُجَّةِ .
أَيْ كَيْفَ تَصْرِفُونَ عُقُولكُمْ إِلَى عِبَادَة مَا لَا يَرْزُق وَلَا يُحْيِي وَلَا يُمِيت .