خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الحج تفسير الطبري الآية 18
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ﰑ ﴿١٨﴾

سورة الحج تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْجِبَال وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد بِقَلْبِك , فَتَعْلَم أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات مِنَ الْمَلَائِكَة , وَمَنْ فِي الْأَرْض مِنَ الْخَلْق مِنَ الْجِنّ وَغَيْرهمْ , وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم فِي السَّمَاء , وَالْجِبَال , وَالشَّجَر , وَالدَّوَابّ فِي الْأَرْض ; وَسُجُود ذَلِكَ ظِلَاله حِين تَطْلُع عَلَيْهِ الشَّمْس وَحِين تَزُول إِذَا تَحَوَّلَ ظِلّ كُلّ شَيْء ; فَهُوَ سُجُوده . كَمَا : 18881 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْجِبَال وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ } قَالَ : ظِلَال هَذَا كُلّه . وَأَمَّا سُجُود الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم , فَإِنَّهُ كَمَا : 18882 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَا : ثنا عَوْف , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة الرَّيَاحِيّ يَقُول : مَا فِي السَّمَاء نَجْم وَلَا شَمْس وَلَا قَمَر إِلَّا يَقَع لِلَّهِ سَاجِدًا حِين يَغِيب , ثُمَّ لَا يَنْصَرِف حَتَّى يُؤْذَن لَهُ فَيَأْخُذ ذَات الْيَمِين وَزَادَ مُحَمَّد : حَتَّى يَرْجِع إِلَى مَطْلَعه .



وَقَوْله : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } يَقُول : وَيَسْجُد كَثِير مِنْ بَنِي آدَم , وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . كَمَا : 18883 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ .





وَقَوْله : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَثِير مِنْ بَنِي آدَم حَقَّ عَلَيْهِ عَذَاب اللَّه فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ بِهِ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُد لِلَّهِ ظِلّه . كَمَا : 18884 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } وَهُوَ يَسْجُد مَعَ ظِلّه . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد , وَقَعَ قَوْله : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْله : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } وَيَكُون دَاخِلًا فِي عِدَاد مَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِالسُّجُودِ لَهُ , وَيَكُون قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } مِنْ صِلَة " كَثِير " , وَلَوْ كَانَ " الْكَثِير " الثَّانِي مَنْ لَمْ يَدْخُل فِي عِدَاد مَنْ وُصِفَ بِالسُّجُودِ كَانَ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْره فِي قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : وَكَثِير أَبَى السُّجُود ; لِأَنَّ قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } يَدُلّ عَلَى مَعْصِيَة اللَّه وَإِبَائِهِ السُّجُود , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعَذَاب .





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُهِنِ اللَّه فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يُهِنْهُ اللَّه مِنْ خَلْقه فَيُشْقِهِ , { فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم } بِالسَّعَادَةِ يُسْعِدهُ بِهَا ; لِأَنَّ الْأُمُور كُلّهَا بِيَدِ اللَّه , يُوَفِّق مَنْ يَشَاء لِطَاعَتِهِ وَيَخْذُل مَنْ يَشَاء , وَيُشْقِي مَنْ أَرَادَ وَيُسْعِد مَنْ أَحَبَّ .



وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه يَفْعَل مَا يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَفْعَل فِي خَلْقه مَا يَشَاء مِنْ إِهَانَة مَنْ أَرَادَ إِهَانَته وَإِكْرَام مَنْ أَرَادَ كَرَامَته ; لِأَنَّ الْخَلْق خَلْقه وَالْأَمْر أَمْره . { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ : " فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم " بِمَعْنَى : فَمَا لَهُ مِنْ إِكْرَام , وَذَلِكَ قِرَاءَة لَا أَسْتَجِيز الْقِرَاءَة بِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَى خِلَافه.