كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ﰋ
﴿١٢﴾سورة ص تفسير القرطبي
ذَكَرَهَا تَعْزِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسْلِيَة لَهُ ; أَيْ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد جُنْد مِنْ الْأَحْزَاب الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , وَقَدْ كَانُوا أَقْوَى مِنْ هَؤُلَاءِ فَأُهْلِكُوا . وَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى الْقَوْم بِلَفْظِ التَّأْنِيث , وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ يَجُوز فِيهِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث . الثَّانِي : أَنَّهُ مُذَكَّر اللَّفْظ لَا يَجُوز تَأْنِيثه , إِلَّا أَنْ يَقَع الْمَعْنَى عَلَى الْعَشِيرَة وَالْقَبِيلَة , فَيَغْلِب فِي اللَّفْظ حُكْم الْمَعْنَى الْمُضْمَر تَنْبِيهًا عَلَيْهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ " [ الْمُدَّثِّر : 54 - 55 ] وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهَا ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُضْمَر فِيهِ مُذَكَّرًا ذَكَّرَهُ ; وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ مُقْتَضِيًا لِلتَّأْنِيثِ . وَوَصَفَ فِرْعَوْن بِأَنَّهُ ذُو الْأَوْتَاد . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَعْنَى ذُو الْبِنَاء الْمُحْكَم . وَقَالَ الضَّحَّاك : كَانَ كَثِير الْبُنْيَان , وَالْبُنْيَان يُسَمَّى أَوْتَادًا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَقَتَادَة وَعَطَاء : أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَوْتَاد وَأَرْسَان وَمَلَاعِب يُلْعَب لَهُ عَلَيْهَا . وَعَنْ الضَّحَّاك أَيْضًا : ذُو الْقُوَّة وَالْبَطْش . وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل : كَانَ يُعَذِّب النَّاس بِالْأَوْتَادِ , وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَد مَدَّهُ مُسْتَلْقِيًا بَيْن أَرْبَعَة أَوْتَاد فِي الْأَرْض , وَيُرْسِل عَلَيْهِ الْعَقَارِب وَالْحَيَّات حَتَّى يَمُوت . وَقِيلَ : كَانَ يُشَبِّح الْمُعَذَّب بَيْن أَرْبَع سِوَار ; كُلّ طَرَف مِنْ أَطْرَافه إِلَى سَارِيَة مَضْرُوب فِيهِ وَتِد مِنْ حَدِيد وَيَتْرُكهُ حَتَّى يَمُوت . وَقِيلَ : ذُو الْأَوْتَاد أَيْ ذُو الْجُنُود الْكَثِيرَة فَسُمِّيَتْ الْجُنُود أَوْتَادًا ; لِأَنَّهُمْ يُقَوُّونَ أَمْره كَمَا يُقَوِّي الْوَتِد الْبَيْت . وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الْعَرَب تَقُول هُمْ فِي عِزٍّ ثَابِت الْأَوْتَادِ , يُرِيدُونَ دَائِمًا شَدِيدًا . وَأَصْل هَذَا أَنَّ الْبَيْت مِنْ بُيُوت الشَّعْر إِنَّمَا يَثْبُت وَيَقُوم بِالْأَوْتَادِ . وَقَالَ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر : وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الْأَوْتَادِ وَوَاحِد الْأَوْتَاد وَتِدٌ بِالْكَسْرِ , وَبِالْفَتْحِ لُغَة . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : يُقَال وَتِد وَاتِد كَمَا يُقَال : شُغْل شَاغِل . وَأَنْشَدَ : لَاقَتْ عَلَى الْمَاءِ جُذَيْلًا وَاتِدَا وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا قَالَ : شَبَّهَ الرَّجُل بِالْجِذْلِ .