إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ﰭ
﴿٤٦﴾سورة ص تفسير القرطبي
قِرَاءَة الْعَامَّة " بِخَالِصَةٍ " مُنَوَّنَة وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد وَأَبِي حَاتِم . وَقَرَأَ نَافِع وَشَيْبَة وَأَبُو جَعْفَر وَهِشَام عَنْ اِبْن عَامِر " بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّار " بِالْإِضَافَةِ فَمَنْ نَوَّنَ خَالِصَة فَـ " ذِكْرَى الدَّار " بَدَل مِنْهَا ; التَّقْدِير إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِأَنْ يَذْكُرُوا الدَّار الْآخِرَة وَيَتَأَهَّبُوا لَهَا وَيَرْغَبُوا فِيهَا وَيُرَغِّبُوا النَّاس فِيهَا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " خَالِصَة " مَصْدَرًا لِخَلَصَ وَ " ذِكْرَى " فِي مَوْضِع رَفْع بِأَنَّهَا فَاعِلَة , وَالْمَعْنَى أَخْلَصْنَاهُمْ بِأَنْ خَلَصَتْ لَهُمْ ذِكْرَى الدَّار ; أَيْ تَذْكِير الدَّار الْآخِرَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " خَالِصَة " مَصْدَرًا لِأَخْلَصْت فَحُذِفَتْ الزِّيَادَة , فَيَكُون " ذِكْرَى " عَلَى هَذَا فِي مَوْضِع نَصْب , التَّقْدِير : بِأَنْ أَخْلَصُوا ذِكْرَى الدَّار . وَالدَّار يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الدُّنْيَا ; أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا الدُّنْيَا وَيَزْهَدُوا فِيهَا , وَلِتَخْلُصَ لَهُمْ بِالثَّنَاءِ الْحَسَن عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَان صِدْق عَلِيًّا " [ مَرْيَم : 50 ] وَيَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الدَّار الْآخِرَة وَتَذْكِير الْخَلْق بِهَا . وَمَنْ أَضَافَ خَالِصَة إِلَى الدَّار فَهِيَ مَصْدَر بِمَعْنَى الْإِخْلَاص , وَالذِّكْرَى مَفْعُول بِهِ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْمَصْدَر ; أَيْ بِإِخْلَاصِهِمْ ذِكْرَى الدَّار . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَصْدَر مُضَافًا إِلَى الْفَاعِل وَالْخَالِصَة مَصْدَر بِمَعْنَى الْخُلُوص ; أَيْ بِأَنْ خَلَصَتْ لَهُمْ ذِكْرَى الدَّار , وَهِيَ الدَّار الْآخِرَة أَوْ الدُّنْيَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : مَعْنَى أَخْلَصْنَاهُمْ أَيْ بِذِكْرِ الْآخِرَة ; أَيْ يَذْكُرُونَ الْآخِرَة وَيَرْغَبُونَ فِيهَا وَيَزْهَدُونَ فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِأَنْ ذَكَرْنَا الْجَنَّة لَهُمْ .