قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﰃ
﴿٤﴾سورة الأحقاف تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك : أَرَأَيْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم الْآلِهَة وَالْأَوْثَان الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه , أَرُونِي أَيّ شَيْء خَلَقُوا مِنْ الْأَرْض , فَإِنَّ رَبِّي خَلَقَ الْأَرْض كُلّهَا , فَدَعَوْتُمُوهَا مِنْ أَجْل خَلْقهَا مَا خَلَقَتْ مِنْ ذَلِكَ آلِهَة وَأَرْبَابًا , فَيَكُون لَكُمْ بِذَلِكَ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهَا حُجَّة , فَإِنَّ مِنْ حُجَّتِي عَلَى عِبَادَتِي إِلَهِي , وَإِفْرَادِي لَهُ الْأُلُوهَة , أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْض فَابْتَدَعَهَا مِنْ غَيْر أَصْل .
وَقَوْله : { أَمْ لَهُمْ شِرْك فِي السَّمَوَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ لِآلِهَتِكُمْ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا أَيّهَا النَّاس , شِرْك مَعَ اللَّه فِي السَّمَوَات السَّبْع , فَيَكُون لَكُمْ أَيْضًا بِذَلِكَ حُجَّة فِي عِبَادَتِكُمُوهَا , فَإِنَّ مِنْ حُجَّتِي عَلَى إِفْرَادِي الْعِبَادَة لِرَبِّي , أَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ فِي خَلْقهَا , وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِخَلْقِهَا دُون كُلّ مَا سِوَاهُ .
وَقَوْله : { اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْل هَذَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِكِتَابٍ جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ قَبْل هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ , بِأَنَّ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَوْثَان خَلَقُوا مِنْ الْأَرْض شَيْئًا , أَوْ أَنَّ لَهُمْ مَعَ اللَّه شِرْكًا فِي السَّمَوَات , فَيَكُون ذَلِكَ حُجَّة لَكُمْ عَلَى عِبَادَتكُمْ إِيَّاهَا , لِأَنَّهَا إِذَا صَحَّ لَهَا ذَلِكَ صَحَّتْ لَهَا الشَّرِكَة فِي النِّعَم الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا , وَوَجَبَ لَهَا عَلَيْكُمْ الشُّكْر , وَاسْتَحَقَّتْ مِنْكُمْ الْخِدْمَة , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدِر أَنْ يَخْلُقهُ إِلَّا اللَّه .
وَقَوْله : { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } بِالْأَلِفِ , بِمَعْنَى : أَوْ اِئْتُونِي بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْم . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهُ " أَوْ أَثَرَة مِنْ عِلْم " بِمَعْنَى : أَوْ خَاصَّة مِنْ عِلْم أُوتِيتُمُوهُ , وَأُوثِرْتُمْ بِهِ عَلَى غَيْركُمْ , وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيز غَيْرهَا { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } بِالْأَلِفِ , لِإِجْمَاعِ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيلهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَوْ اِئْتُونِي بِعِلْمٍ بِأَنَّ آلِهَتكُمْ خَلَقَتْ مِنْ الْأَرْض شَيْئًا , وَأَنَّ لَهَا شِرْكًا فِي السَّمَوَات مِنْ قَبْل الْخَطّ الَّذِي تَخُطُّونَهُ فِي الْأَرْض , فَإِنَّكُمْ مَعْشَر الْعَرَب أَهْل عِيَافَة وَزَجْر وَكِهَانَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24153 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن آدَم , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْم , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } قَالَ : خَطّ كَانَ يَخُطّهُ الْعَرَب فِي الْأَرْض . 24154 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْر : يَعْنِي اِبْن عَيَّاش : الْخَطّ : هُوَ الْعِيَافَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ خَاصَّة مِنْ عِلْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24155 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } قَالَ : أَوْ خَاصَّة مِنْ عِلْم . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَوْ أَثَارَة عِلْم } قَالَ : أَيْ خَاصَّة مِنْ عِلْم . * -حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ الْحُسَيْن , عَنْ قَتَادَة { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } قَالَ : خَاصَّة مِنْ عِلْم . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ عِلْم تُثِيرُونَهُة فَتَسْتَخْرِجُونَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 24156 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } قَالَ : أَثَارَة شَيْء يَسْتَخْرِجُونَهُ فِطْرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ تَأْثُرُونَ ذَلِكَ عِلْمًا عَنْ أَحَد مِمَّنْ قَبْلكُمْ ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24157 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } قَالَ : أَحَد يَأْثَر عِلْمًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْأَمْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24158 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم } يَقُول : بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْأَمْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24159 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : سُئِلَ أَبُو بَكْر , يَعْنِي اِبْن عَيَّاش عَنْ { أَثَارَة مِنْ عِلْم } قَالَ : بَقِيَّة مِنْ عِلْم . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : الْأَثَارَة : الْبَقِيَّة مِنْ عِلْم , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب , وَهِيَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَثَرَ الشَّيْء أَثَارَة , مِثْل سَمَجَ سَمَاجَة , وَقَبَحَ قَبَاحَة , كَمَا قَالَ رَاعِي الْإِبِل : وَذَات أَثَارَة أَكَلَتْ عَلَيْهَا [ نَبَاتًا فِي أَكِمِته قَفَارَا ] يَعْنِي : وَذَات بَقِيَّة مِنْ شَحْم , فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهُ { أَوْ أَثَرَة } فَإِنَّهُ جَعَلَهُ أَثَرَة مِنْ الْأَثَر , كَمَا قِيلَ : قَتَرَة وَغَبَرَة . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ " أَوْ أَثْرَة " بِسُكُونِ الثَّاء , مِثْل الرَّجْفَة وَالْخَطْفَة , وَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ بَقِيَّة مِنْ عِلْم , جَازَ أَنْ تَكُون تِلْكَ الْبَقِيَّة مِنْ عِلْم الْخَطّ , وَمِنْ عِلْم اُسْتُثِيرَ مِنْ كُتُب الْأَوَّلِينَ , وَمِنْ خَاصَّة عِلْم كَانُوا أُوثِرُوا بِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَر بِأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَطّ , سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : اِئْتُونِي أَيّهَا الْقَوْم بِكِتَابٍ مِنْ قَبْل هَذَا الْكِتَاب , بِتَحْقِيقِ مَا سَأَلْتُكُمْ تَحْقِيقه مِنْ الْحُجَّة عَلَى دَعْوَاكُمْ مَا تَدَّعُونَ لِآلِهَتِكُمْ , أَوْ بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْم يُوصَل بِهَا إِلَى عِلْم صِحَّة مَا تَقُولُونَ مِنْ ذَلِكَ { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِي دَعْوَاكُمْ لَهَا مَا تَدَّعُونَ , فَإِنَّ الدَّعْوَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حُجَّة لَمْ تُغْنِ عَنْ الْمُدَّعِي شَيْئًا .