إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ﰘ
﴿٢٥﴾سورة محمد تفسير الطبري
وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارهمْ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى } يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ الَّذِينَ رَجَعُوا الْقَهْقَرَى عَلَى أَعْقَابهمْ كُفَّارًا بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقّ وَقَصْد السَّبِيل , فَعَرَفُوا وَاضِح الْحُجَّة , ثُمَّ آثَرُوا الضَّلَال عَلَى الْهُدَى عِنَادًا لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى ذِكْره مِنْ بَعْد الْعِلْم . كَمَا : 24308 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارهمْ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى } هُمْ أَعْدَاء اللَّه أَهْل الْكِتَاب , يَعْرِفُونَ بَعْث مُحَمَّد نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عِنْدهمْ , ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ . 24309 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى } إِنَّهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل النِّفَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24310 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارهمْ } ... إِلَى قَوْله { فَأَحْبَطَ أَعْمَالهمْ } هُمْ أَهْل النِّفَاق . 24311 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارهمْ } . .. إِلَى { إِسْرَارهمْ } هُمْ أَهْل النِّفَاق . وَهَذِهِ الصِّفَة بِصِفَةِ أَهْل النِّفَاق عِنْدنَا , أَشْبَه مِنْهَا بِصِفَةِ أَهْل الْكِتَاب , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ أَنَّ رِدَّتهمْ كَانَتْ بِقِيلِهِمْ { لِلَّذِينَ كَرِهُوا , مَا نَزَّلَ اللَّه سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْض الْأَمْر } 47 26 . وَلَوْ كَانَتْ مِنْ صِفَة أَهْل الْكِتَاب , لَكَانَ فِي وَصْفهمْ بِتَكْذِيبِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِفَايَة مِنْ الْخَبَر عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اِرْتَدُّوا مِنْ أَجْل قِيلهمْ مَا قَالُوا .
وَقَوْله : { الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الشَّيْطَان زَيَّنَ لَهُمْ اِرْتِدَادهمْ عَلَى أَدْبَارهمْ , مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24312 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ } يَقُول : زَيَّنَ لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { سَوَّلَ لَهُمْ } يَقُول : زَيَّنَ لَهُمْ .
وَقَوْله : { وَأَمْلَى لَهُمْ } يَقُول : وَمَدَّ اللَّه لَهُمْ فِي آجَالهمْ مُلَاوَة مِنْ الدَّهْر , وَمَعْنَى الْكَلَام : الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُمْ , وَاَللَّه أَمْلَى لَهُمْ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْكُوفَة { وَأَمْلَى لَهُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْهَا بِمَعْنَى : وَأَمْلَى اللَّه لَهُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة " وَأُمْلِيَ لَهُمْ " عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَقَرَأَ مُجَاهِد فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ " وَأُمْلِيَ " بِضَمِّ الْأَلِف وَإِرْسَال الْيَاء عَلَى وَجْه الْخَيْر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ بِهِمْ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَات بِالصَّوَابِ , الَّتِي عَلَيْهَا عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْكُوفَة مِنْ فَتْح الْأَلِف فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهَا الْقِرَاءَة الْمُسْتَفِيضَة فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , وَإِنْ كَانَ يَجْمَعهَا مَذْهَب تَتَقَارَب مَعَانِيهَا فِيهِ .