قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ﰏ
﴿١٦﴾سورة الأعراف تفسير القرطبي
الْإِغْوَاء إِيقَاع الْغَيّ فِي الْقَلْب ; أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْت فِي قَلْبِي مِنْ الْغَيّ وَالْعِنَاد وَالِاسْتِكْبَار . وَهَذَا لِأَنَّ كُفْر إِبْلِيس لَيْسَ كُفْر جَهْل ; بَلْ هُوَ كُفْر عِنَاد وَاسْتِكْبَار . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . قِيلَ : مَعْنَى الْكَلَام الْقَسَم , أَيْ فَبِإِغْوَائِك إِيَّايَ لَأَقْعُدَن لَهُمْ عَلَى صِرَاطِك , أَوْ فِي صِرَاطِك ; فَحُذِفَ . دَلِيل عَلَى هَذَا الْقَوْل قَوْله فِي ( ص ) : " فَبِعِزَّتِك لَأُغْوِيَنهمْ أَجْمَعِينَ " [ ص : 82 ] فَكَأَنَّ إِبْلِيس أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاء اللَّه إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيط عَلَى الْعِبَاد , فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْده . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى اللَّام , كَأَنَّهُ قَالَ : فَلِإِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى مَعَ , وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَام , كَأَنَّهُ سَأَلَ بِأَيِّ شَيْء أَغْوَاهُ ؟ . وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون : فَبِمَ أَغْوَيْتنِي ؟ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتنِي بِلَعْنِك إِيَّايَ . وَالْإِغْوَاء الْإِهْلَاك , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " [ مَرْيَم : 59 ] أَيْ هَلَاكًا . وَقِيلَ : فَبِمَا أَضْلَلْتنِي . وَالْإِغْوَاء : الْإِضْلَال وَالْإِبْعَاد ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : خَيَّبْتنِي مِنْ رَحْمَتك ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدَم عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا أَيْ مَنْ يَخِبْ . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال غَوَى الرَّجُل يَغْوِي غَيًّا إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْره , أَوْ فَسَدَ هُوَ فِي نَفْسه . وَهُوَ أَحَد مَعَانِي قَوْله تَعَالَى : " وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى " [ طَه : 121 ] أَيْ فَسَدَ عَيْشه فِي الْجَنَّة . وَيُقَال : غَوَى الْفَصِيل إِذَا لَمْ يَدْرِ لَبَن أُمّه . مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَضَلَّهُ وَخَلَقَ فِيهِ الْكُفْر ; وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْإِغْوَاء فِي هَذَا إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَهُوَ الْحَقِيقَة , فَلَا شَيْء فِي الْوُجُود إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوق لَهُ , صَادِر عَنْ إِرَادَته تَعَالَى . وَخَالَفَ الْإِمَامِيَّة وَالْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمَا شَيْخَهُمْ إِبْلِيس الَّذِي طَاوَعُوهُ فِي كُلّ مَا زَيَّنَهُ لَهُمْ , وَلَمْ يُطَاوِعُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَيَقُولُونَ : أَخْطَأَ إِبْلِيس , وَهُوَ أَهْل لِلْخَطَأِ حَيْثُ نَسَبَ الْغَوَايَة إِلَى رَبّه , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . فَيُقَال لَهُمْ : وَإِبْلِيس وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْخَطَأِ فَمَا تَصْنَعُونَ فِي نَبِيّ مُكَرَّم مَعْصُوم , وَهُوَ وَنُوح عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ : " وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [ هُود : 34 ] وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا جَاءَهُ رَجُل فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْقَدَرِ , وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاء الْكِبَار ; فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ طَاوُس : تَقُوم أَوْ تُقَام ؟ فَقِيلَ لِطَاوُس : تَقُول هَذَا لِرَجُلٍ فَقِيه ! فَقَالَ : إِبْلِيس أَفْقَه مِنْهُ , يَقُول إِبْلِيس : رَبّ بِمَا أَغْوَيْتنِي . وَيَقُول هَذَا : أَنَا أَغْوِي نَفْسِي .
أَيْ بِالصَّدِّ عَنْهُ , وَتَزْيِين الْبَاطِل حَتَّى يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ , أَوْ يَضِلُّوا كَمَا ضَلَّ , أَوْ يَخِيبُوا كَمَا خُيِّبَ ; حَسَب مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة فِي " أَغْوَيْتنِي " . وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم هُوَ الطَّرِيق الْمُوَصِّل إِلَى الْجَنَّة . وَ " صِرَاطك " مَنْصُوب عَلَى حَذْف " عَلَى " أَوْ " فِي " مِنْ قَوْله : " صِرَاطك الْمُسْتَقِيم " ; كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ " ضَرَبَ زَيْد الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ " . وَأَنْشَدَ : لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ